مجمع البحوث الاسلامية
609
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المعبود بالمحبّة كانت محبّته أتمّ . أو لأنّهم يحبّونه عن علم بأنّه المنعم ، فيعبدونه شاكرين راجين رحمته على يقين ، بأنّه يملك النّفع والضّرّ ، بخلاف المشركين حيث إنّهم ليسوا على يقين بأنّ أندادهم كذلك ، بل يعترفون بأنّ اللّه خالق السّماوات والأرض ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لقمان : 25 ، أو لجميع ذلك كما جاء في النّصوص . وقد جمع أبو حيّان الأقوال كلّها ، فقال : « ومقتضى التّمييز بالأشدّيّة إفراد المؤمنين له بالمحبّة ، أو لمعرفتهم بموجب الحبّ ، أو لمحبّتهم إيّاه بالغيب ، أو لشهادته تعالى لهم بالمحبّة ؛ إذ قال : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، أو لإقبال المؤمن على ربّه في السّرّاء والضّرّاء ، والشّدّة والرّخاء ، أو لعدم انتقاله عن مولاه ، ولا يختار عليه سواه ، أو لعلمه بأنّ اللّه خالق الصّنم ، وهو الضّارّ النّافع ، أو لكون حبّه بالعقل والدّليل ، أو لامتثال أمره حتّى في القيامة حين يأمر اللّه تعالى من عبده لا يشرك به شيئا ، أن يقتحم النّار فيبادرون إليها فبرّد عليهم النّار ، فينادي مناد تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ويأمر من عبد الأصنام أن يدخل معهم النّار فيجزعون ، قاله ابن جبير ، تسعة أقوال ثبت تعاريفها ومقابلاتها لمتّخذ الأنداد ، هذه كلّها خصائص ميّز اللّه بها المؤمنين في حبّه على الكافرين ، فذكر كلّ واحد من المفسّرين خصيصة ، والمجموع هو المقتضى لتمييز الحبّ ، فلا تباين بين الأقوال على هذا ، لأنّ كلّ قول منها ليس على جهة الحصر فيه ، إنّما هو مثال من أمثلة مقتضى التّمييز » . هذا كلّه على تقدير : « أشدّ حبّا للّه من حبّهم للأنداد » وعن الحسن : « من حبّهم للّه » فيأتي فيه ما مرّ من البحث في ( كحبّ اللّه ) ، لاحظ النّصوص . 2 - وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ جيء بها توطئة لما يعقبها في آيتين بعدها : 166 و 167 من بيان رخاوة حبّهم ، وكونه حسرة عليهم ، وتبرّؤهم من عبادة الأصنام وتبرّء الأصنام من عبادتهم : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا . . . وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ . . . . 3 - المفضّل عليه فيها محذوف ، أي المؤمنون أشدّ حبّا للّه من حبّ المشركين لأندادهم ، كما تقدّم . 4 - قالوا : إنّما عدل عن ( احبّ ) إلى ( اشدّ حبّا ) فلم يقل : « والّذين آمنوا أحبّ للّه » ، لأنّ ( أحبّ ) تفضيلا - كما يأتي - شاع في الأشدّ محبوبيّة ، دون أشدّ حبّا . 5 - وما أحسن فيها كلام رشيد رضا : ( أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) من كلّ ما سواه ، لأنّ حبّهم له خاصّ به سبحانه لا يشركون فيه غيره ، فحبّهم ثابت كامل ، لأنّ متعلّقه هو الكمال المطلق الّذي يستمدّ منه كلّ كمال ، وأمّا متّخذوا الأنداد فإنّ حبّهم متوزّع متزعزع ، لا ثبات له ولا استقرار . للمؤمن محبوب واحد يعتقد أنّ منه كلّ شيء ، وبيده ملكوت كلّ شيء ، وله القدرة والسّلطان على جميع الأكوان ، فما ناله من خير كسبيّ فهو بتوفيقه وهدايته ، وما جاءه بغير حساب فهو بتسخيره وعنايته ، وما توجّه إليه من أمر فتعذّر عليه فهو يكله إليه ، ويعوّل فيه عليه .